السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
310
مختصر الميزان في تفسير القرآن
فالمراد بنفي علم الغيب نفي أن يكون مجهزا في وجوده بحسب الطبع بما لا يخفى عليه معه ما لا سبيل للإنسان بحسب العادة إلى العلم به من خفيات الأمور كائنة ما كانت . وأما قوله : وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ فهو كناية عن نفي آثار الملكية من أنهم منزهون عن حوائج الحياة المادية من أكل وشرب ونكاح وما يلحق بذلك ، وقد عبّر عنه في مواضع أخرى بقوله : قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ ( الكهف / 110 ) ، وإنما عبّر عن ذلك هاهنا بنفي الملكية دون إثبات البشرية ليحاذي به ما كانوا يقترحونه عليه عليه السّلام بمثل قولهم : ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ ( الفرقان / 7 ) . فمعنى قوله : « قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ » الخ ؛ قل : لم أدّع فيما أدعوكم إليه وأبلّغكمو أمرا وراء ما أنا عليه من متعارف حال الإنسان حتى تبكّتوني بإلزامي بما تقترحونه مني فلم أدّع أني أملك خزائن الألوهية حتى تقترحوا أن أفجّر أنهارا أو أخلق جنة أو بيتا من زخرف ، ولا ادعيت أني أعلم الغيب حتى أجيبكم عن كل ما هو مستور تحت أستار الغيوب كقيام الساعة ولا ادعيت أني ملك حتى تعيبوني وتبطلوا قولي بأكل الطعام والمشي في الأسواق للكسب . قوله تعالى : إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ بيان لما يدعيه حقيقة بعد رد ما اتهموه به من الدعوى من جهة دعواه الرسالة من اللّه إليهم أي ليس معنى قولي : إني رسول اللّه إليكم أن عندي خزائن اللّه ولا أني أعلم الغيب ولا أني ملك بل أن اللّه يوحي إلى بما يوحي . ولم يثبته في صورة الدعوى بل قال « إِنْ أَتَّبِعُ » الخ ؛ ليدل على كونه مأمورا بتبليغ ما يوحى إليه ليس له الا اتباع ذلك فكأنه لما قال : لا أقول لكم كذا ولا كذا ولا كذا قيل له : فإذا كان كذلك وكنت بشرا مثلنا وعاجزا كأحدنا لم تكن لك مزية علينا فما ذا تريد منا ؟ فقال : إن أتبع إلا ما يوحي إلي أن أبشركم وأنذركم فأدعوكم إلى دين التوحيد . قوله تعالى : وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ إلى آخر الآية ؛ الضمير في « به » راجع إلى القرآن وقد دل عليه قوله في الآية السابقة : « إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى